لا تهدف هذه المقالة إلى وضع خطة لمواجهة التنصير؛ فذلك أمر أضخم من أن تحويه
مقالة ، كما أن وضع خطة يتطلب إدراكاً للمخاطر الحقيقية للتنصير على المسلمين ، والبيئات الخصبة دعوياً أمام دعاة الإسلام ، ويستدعي إلماماً بسبل التنصير ووسائله المختلفة التي تكاد أن تتناول جوانب الحياة المختلفة ، ويقتضي معرفةً جيدة بقدرات الدعاة وإمكاناتهم التي يمكن أن يوجهوها للمواجهة ، وهو أمر يفوق إمكانات الفرد بكثير .
أضف إلى ذلك أن بين المنصرين اختلافات جذرية لا بد من مراعاتها أثناء وضع خطة للمواجهة ، وتلك الاختلافات إما في المعتقدات والمبادئ ، وإما في الطاقات والقدرات ، وإما في الرغبة في الوصول إلى الحق والأخذ به ، وإما في المكر والدهاء ومدى الوضوح في إبانة الأهداف واستخدام وسائل تنصيرية مباشرة .
زد على ذلك اختلاف تجذر النصرانية من بلد إلى آخر ، واختلاف أحوال النصارى كثرة وقلة ، نفوذاً وسلطة ، غنىً وفقراً ، حباً وبغضاً …
إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل من غير المناسب وضع خطة موحدة لمجابهة التنصير في كل البلدان ، وأن الأليق هو أن يتجه دعاة كل بلد إلى وضع خطة لمجابهة التنصير تراعي عناصر القوة والضعف التي يملكها كل من المنصرين والدعاة على حد سواء ، وحجم الخطر التنصيري الذي يواجه الدعوة ويعوق مسيرتها في ذلك البلد ؛ فذلك أقرب إلى الحكمة والواقعية وأبعد عن المثالية والعيش في أبراج عاجية .
وانطلاقاً من ذلك فإن هذه المقالة تهدف إلى ذكر وقفات تذكِّر بقاعدة ، وتؤكد على ضابط ، وتنبه على جانب ، وتحذر من عائق ، وتبرز قضية ، وتدعو إلى الموضوعية والواقعية في الطرح والتناول .
وقفات حول المواجهة : 1- العون من الله ؛ فلنتأهل لنيله : عون الله للفرد أو المؤسسة الدعوية هو شرط النصر وبوابته في أي مواجهة ؛ فمن انتصر فالله الناصر له ، ومن وُفِّق فالله الموفق له ، كما قال تعالى : [ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ]( الأنفال : 17 ) ، وفي المقابل فمن لم يسدده الله فلا مسدد له ، ومن فقد عون الله كانت عاقبته الهزيمة ومصيره الخذلان .
كما قال الشاعر : إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وقد قال الله تعالى مقرراً لهذا الأمر : [ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ]( الملك : 20 ) .
وقد تيقن ذلك العاملون الصادقون ، فتعلقت قلوبهم بمن يدبر الأمر سبحانه وتعالى ، وبرئوا من حولهم وقوتهم ، واستحقروا أعمالهم وجهودهم مهما كانت في نظر الآخرين عظيمة ، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية الذي على ضخامة ما قدم للأمة في مجالات كثيرة كان كثيراً ما يقول : « ما لي شيء ، ولا مني شيء ، ولا فيّ شيء » [1] .
واتجهوا إلى السعي إلى نيل عون الله وتوفيقه الذي له أسباب معنوية ومادية ، من حصلها حازه ، ومن فقدها حرمه ، والتي من أبرزها : أ - دعاء الله سبحانه والتضرع بين يديه ، كما قال تعالى : [ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ]( غافر : 60 ) وفي حال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإلحاحه على ربه في تضرعه حتى سقط رداؤه عن منكبيه مع أنه موعود بنصر الله تعالى أسوة لمن أراد الاقتداء .
ب - التوكل على الله وتفويض الأمر إليه ، كما قال تعالى : [ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ]( الطلاق : 3 ) .
وحين اجتمع المشركون بعد أحد لحرب المؤمنين ، وقال المؤمنون قلباً وقالباً : حسبنا الله ونعم الوكيل ، كانوا كما قال الله عنهم : [ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ]( آل عمران : 174 ) .
ج - التوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي ، كما قال تعالى : [ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ]( النور : 31 ) ، وفي الأثر عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : « ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع إلا بتوبة » [2] .
د - الصبر والإكثار من الصلاة كما قال تعالى : [ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ]( آل عمران : 120 ) ، وقال سبحانه : [ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ ]( البقرة : 45 ) .
هـ - تقوى الله وطاعته والحذر من معصيته ، كما قال عز وجل : [ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ ]( النور : 52 ) ، وقال سبحانه : [ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ ]( الطلاق : 2 ) .
و - بذل الوسع والأخذ بأسباب النصر المادية بقدر الاستطاعة امتثالاً لقوله عز وجل : [ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ]( الأنفال : 60 ) .
فمتى أراد الدعاة تحصيل هذا السلاح الذي لا يمكن أن يمتلكه المنصِّرون فعليهم بذل الجهد واستفراغ الوسع في تحصيل هذه الأسباب حتى يكونوا أهلاً لنيل رحمة الله وعونه لهم في مواجهتهم لدعاة الشرك وأرباب الضلالة .
2 - الانضباط الشرعي شرط النصر : يعد الدخول في مواجهة التنصير أحد المزالق الخطرة التي يخشى فيها من التفلت من الضوابط الشرعية سواء كان ذلك في جانب عرض الإسلام والحديث عن عقيدته وشريعته ، أو في التعامل مع المنصرين الذين يستخدمون أساليب ملتوية وغير أخلاقية في عرض عقائدهم والحديث عن جوانب الإسلام المختلفة ، منطلقين في ذلك من قول القديس بولس : ( أنا أكون بكل الأشكال والمظاهر من أجل كل الناس ) [3] .
وذلك مما يمكن أن يحدث ردة فعل لدى بعض دعاة الإسلام فيجعلهم إما يقدمون تنازلات أثناء عرض الإسلام من أجل ترغيب النصارى به ، وإما يتورطون بعدم الدقة في الحديث عن جوانب النصرانية المختلفة ، وإما يعتمدون أثناء دعوتهم على سبل ووسائل غير مشروعة .
وشيء من هذا العمل كما لا يخفى يتنافى مع ثوابت الإسلام ومبادئه ؛ إذ الغاية فيه مهما كانت نبيلة لا تسوِّغ الوسيلة المنحرفة ، والله سبحانه لا يُتقرَّب إليه بمعصيته ، ولا تُنال بركته وتسديده وتوفيقه بمخالفة أمره .
والمطلوب في هذا السبيل هو : تأكد الدعاة من هيمنة النص الصحيح على خططهم وبرامجهم ، ومن صحة الوسائل التي يستخدمونها في مجابهتهم للتنصير شرعاً ، ومن مراعاتهم للمصالح والمفاسد المعتبرة شرعاً في أنشطتهم التي يقيمونها ، انطلاقاً من قول الله تعالى : [ وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ]( الأنعام : 108 ) .
على أن الواقع ولله الحمد يثبت بأن من أعظم الأمور الدافعة لكثير من غير المسلمين للدخول في الإسلام ثبات مبادئه وقيمه وعدم تلونها بحسب رغبات المدعوين ، والالتزام الأخلاقي لدى دعاته وعدم اعتمادهم لسبل ووسائل غير مشروعة ، سواء في الترغيب في الإسلام من جهة ، أو في التحذير من عقائد النصرانية المحرفة والأصول الوثنية التي داخلتها من جهة أخرى .
3 - لا لردات الفعل في المواجهة : المتأمل في جهود كثير من الدعاة الموجهة لمقاومة التنصير يجد أن أغلبها ردود أفعال حدثت نتيجة قيام المنصرين بأعمال استفزت بعض الدعاة أفراداً ومؤسسات فأوجد ذلك لديهم دافعاً لمواجهة تلك الأعمال التي أثارتهم .
وخطورة هذا الأمر تكمن في جانبين : الأول : دلالته على أن أكثر الدعاة واقعياً حتى اليوم لم يدركوا أن العملية التنصيرية تحولت من عمل اجتهادي لفرد أو مجموعة إلى عمل مؤسسي ذي كفاءة إدارية عالية : تخطيطاً وتنفيذاً ، تنظيماً ورقابة ، ويمتلك إمكانات مالية وبشرية ضخمة .
ومن دعوة مباشرة إلى الدخول في النصرانية واعتناق مبادئها إلى جهد جاد يتناول كافة جوانب الحياة المختلفة التي يمكن أن تؤثر في الناس بصورة مباشرة أو غير مباشرة : سياسية واقتصادية ، اجتماعية وصحية ، ثقافية وإعلامية ، رياضية وفنية .
ومن دعوة تركز على شريحة معينة في المجتمع إلى عمل يستهدف كافة شرائح المجتمع : رجالاً ونساءاً ، كباراً وصغاراً ، مثقفين وأميين ، أغنياء وفقراء ، وجهاء وعاديين .
ومن دعوة تهدف فقط إلى اعتناق الناس النصرانية إلى دعوة من أهدافها خدمة الاستعباد الغربي ، والحيلولة دون انتشار الأديان الأخرى ، وجعل أتباعها يخرجون من أديانهم ويعيشون بلا دين منغمسين في مستنقع الشهوات واللهو والرذيلة .
الثاني : دلالته على أن بإمكان المنصرين توجيه الدعاة الوجهة التي يريدون عن طريق القيام بأعمال تستفزهم بصورة فجة ليستهلكوا طاقاتهم ويستنفدوا قواهم بالرد عليها ، وفي المقابل يقوم المنصرون بأعمال أخرى لا إثارة فيها تحقق مآربهم بعيداً عن أعين الدعاة ومقاومتهم .
والحل الأمثل لتجاوز هذه المعضلة يكمن في تحويل جهود الدعاة في مقاومة التنصير إلى جهد مؤسسي منظم يستشعر الخطر ويدرك ضخامته ، ويدرس الواقع دراسة جيدة يتعرف من خلالها على عناصر القوة والضعف لدى الفريقين ، وعلى ضوء ذلك يتم تحديد رؤية المواجهة ورسالتها ، والأدوار التي تقوم بها ، وأهداف كل دور ، والوسائل المحققة لتلك الأهداف ، والمدد الزمنية التي ستتحقق فيها الأهداف في ضوء الإمكانات المتاحة : بشرية ، ومادية .
كما لا بد من وضع آلية للتقييم والمراجعة يتم من خلالها التأكد من السير في الاتجاه المراد ، ومن تحقيق الوسائل المنفذة للأهداف المرجوة ، ولا بد من امتلاك مرونة كافية تمكن الدعاة من تعديل الخطة متى حدث في الواقع ما يستدعي تعديلاً لبعض الأهداف أو إعادة لترتيب أولويات المرحلة ، ومتى لوحظ بُطْءٌ في السير أو انحراف عن الاتجاه المراد .
وباختصار : فإننا بحاجة إلى مواجهة مؤسسية منظمة تتسم بالموضوعية والواقعية ؛ لئلا ننس